الموت في زمن "كورونا"
بات تفكيرنا الباطني في عملية إنتاج علامات استفهام متوالدة وسريعة عن الموت القريب وغير المرئي ,وغير المتوقّع في الزمان والمكان .
الحديث عنه ليس من باب التخويف وخلق الفزع ,فهو حتمية قائمة, وإنما من باب أخذ العِبرة أن المسافة بين الحياة والموت قابلة للطيّ في أيّة لحظة؛
وإن كان من مستملحات حديث الموت قبله القدرة على الهزل وتصغير قوة الموت ,ولكنه هنا يكتسب جدية ونصحاً وتضرعاً للخالق ,ويركب مركب "فوبيا" الخوف مما يخفيه المستقبل المجهول
الموت هنا يزيد من مواجع الفقد وحِدّة الألم ,حيث لا يمكن أن تُقام تلك الجنائز التقليدية ولا مراسيم التعزية بما ألفه الناس , من عاداتهم , ونُواحٍ عِناقيّ ,؛ إنه يعبر عن صدمتين ,الأولى:انتصار الفايروس على العلم والطب, والثانية :حين لا يحظى أهالي الميت من رؤية أخيرة ,فتكون رحلة الموت مقتصرة على صلاة جنازة بعددٍ محدّدٍ سلفاً ,
ثم في جنازة نحو المدافن من دون أقرباء أو أصدقاء مع إشهادٍ للسلطات العمومية بالحضور وتقنينٍ لعمليات الدفن , ودعاءٍ متبوع بإجراءات قانونية .
الموت هنا...يتحرّك في لوائح اعتباطيّة لا مست الفايروس الخفي بدون قصد أو بجهل قصدي,
يصنع "تراجيديا" خشبة مسرح المدافن ضمن دمعات العيون وألم الفراق , ويرابط على حدود أمل الأطباء وسعادة ممكنة للكل بالشفاء واعتقال الفايروس .
الموت الذي أحدث -ومايزال - رجّة عالمية وهّدد حياة البشرية بالجمع لا بالإفراد, لا يقف عند هذه الحدود ,وإنما نبتغي منه عبرة أكيدة, تتمثّل في إعادة تصويب مجموعات من العادات المكتسبة من أعراف الماضي , نبتغي من خلاله صناعة النموذج الأمثل للإنسانية المتضامنة المتحابّة المتعاونة ضمن التدابير الاحترازية التي اتخذتها سلطات الدول بكل مسؤولية ,وفي التزام المواطنين بقواعد النظافة والسلامة الصحية .
والأهم ...
صناعة الإنسان الأقوى على نوازع الشر التي يعتنقها بملء إرادته ويروّجها مزهواً بتفوقه ,متناسياً أنه في لمحة عين تتمثل حياته التافهة كلها أمامه ,ولات ساعة مندم.
عن "محسن الأكرمين" بتصرف